ابن أبي الحديد

98

شرح نهج البلاغة

الحق ، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم . فقبلت منهم ، وكففت عنهم ، إذ ونيتم وأبيتم ، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين ، يحييان ما أحيا القرآن ، ويميتان ما أمات القرآن ، فاختلف رأيهما ، وتفرق حكمهما ، ونبذا ما في القرآن ، وخالفا ما في الكتاب ، فجنبهما الله السداد ، ودلاهما في الضلالة ، فانحرفت فرقة منا فتركناهم ما تركونا ، حتى إذا عثوا في الأرض يقتلون ويفسدون ، أتيناهم فقلنا : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، ثم كتاب الله بيننا وبينكم . قالوا : كلنا قتلهم ، وكلنا استحل دماءهم . وشدت علينا خيلهم ورجالهم ، فصرعهم الله مصارع الظالمين . فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم ، فقلتم : كلت سيوفنا ونفدت نبالنا ، ونصلت أسنة رماحنا ، وعاد أكثرها قصدا ( 1 ) ، فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا ، فإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا وفارقنا ، فإن ذلك أقوى لنا على عدونا . فأقبلت بكم ، حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة ، وإن تلزموا معسكركم ، وأن تضموا قواصيكم ، وأن توطنوا على الجهاد أنفسكم ، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ، ونسائكم ، فإن أهل الحرب المصابروها ، وأهل التشمير فيها الذين لا ينقادون من سهر ليلهم ولا ظمأ نهارهم ، ولا خمص بطونهم ، ولا نصب أبدانهم ، فنزلت طائفة منكم معي معذرة ، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية ، فلا من بقي منكم صبر وثبت ، ولا من دخل المصر عاد ورجع ، فنظرت إلى معسكري ، وليس فيه خمسون رجلا ، فلما رأيت ما أتيتم ، دخلت إليكم فلم أقدر على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا ، فما تنتظرون ! أما ترون أطرافكم قد انتقصت ، وإلى مصر قد فتحت ، وإلى شيعتي بها قد قتلت ، وإلى مسالحكم تعرى ، وإلى بلادكم تغزى ! وأنتم ذوو عدد كثير ،

--> ( 1 ) العضد : جمعه قصدة ، وهي القطعة المتكسرة .